محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

175

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

والمعنى أنّ اللّه يقابل استهزاءهم بالنقمة والعقوبة في الدارين ، وإذا حلّت النقمة بهم حصل ضرار استهزائهم راجعا عليهم ؛ وهذا معنى قول أبي روق عن الضحّاك عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - . وقال بعضهم معناه : اللّه يوبخهم ويعيبهم لجهلهم ، قال اللّه تعالى : إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها أي تعاب ؛ وقال الحسن معناه : اللّه يظهر المؤمنين على نفاقهم ؛ وقال ابن عبّاس : يطلع المؤمنين يوم القيامة وهم في الجنّة على المنافقين وهم في النار ؛ فيقولون لهم : أتحبّون أن تدخلوا الجنّة ؟ فيقولون : نعم ، فيفتح لهم من الجنّة باب ، ويقال لهم : ادخلوا ؛ فينقلبون في النار حتّى إذا انتهوا إلى الباب سدّ عنهم ، وردّوا إلى النار ، ويضحك المؤمنون ؛ وذلك قوله تعالى : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ . وهذه رواية أبي صالح عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - . وقال الحسن : إنّ جهنّم تخمد لهم كما تخمد الإهالة 454 في القدر ؛ فيقولون : هذا طريق فيمشون فيه ، فينخسف بهم في النار ؛ وفي قول مجاهد ما يدلّ على أنّ المراد بهذا الاستهزاء أنّه يطفئ نورهم على الصراط ؛ وهذا أيضا معنى قول مقاتل ؛ وفي الحديث أنّه : « يؤمر بناس إلى الجنّة حتّى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها نودوا أن اصرفوهم عنها ، فيرجعون بحسرة وندامة لم يرجع الخلائق بمثلها . فيقولون : يا ربّنا ! لو أدخلتنا النار قبل أن نرى ما أريتنا كان أهون ( 73 آ ) علينا ؛ فيقول اللّه : هذا الذي أردت بكم . هبتم الناس ولم تهابوني ؛ وأحللتم الناس ولم تحلّوني وكنتم تراؤون الناس بأعمالكم خلاف ما كنتم تروني من قلوبكم ؛ فاليوم أذيقكم من عذابي مع ما حرّمتكم من ثوابي » 455 وقال ابن عبّاس في معنى الكلمة : كلّما جدّدوا خطيئة يجدّد لهم ما هو في صورة نعمة ، قال اللّه تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * أي نأخذهم من حيث لا يعلمون . وقوله تعالى : وَيَمُدُّهُمْ ، وأصل المدّ الزيادة « 1 » . قال يونس النحوي : مددت في الشرّ وأمددت في الخير . قال الأخفش : مددت له إذا تركته وخذلته ؛ وأمددته إذا أعطيته . وقيل : هما لغتان مددت وأمددت بمعنى ، إلّا أنّ المدّ أكثر ما يأتي في الشرّ والإمداد في الخير ؛ وإنّما

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة .